الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

308

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وفي هذه السورة ، إكمالا للبحث الذي تناولته الآيات السابقة ، في إثارات وإشارات مختصرة ومعبرة حول تاريخ خمسة من الأقوام المعاندة ابتداء من قوم نوح كما في قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فمضافا إلى تكذيبه واتهامه بالجنون صبوا عليه ألوان الأذى والتعذيب ومنعوه من الاستمرار في أداء رسالته . فتارة يقولون له مهددين ومنذرين قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين . ( 1 ) وتارة أخرى يضغطون رقبته بأيديهم حتى يفقد وعيه ، ولكنه ما أن يفيق إلى وعيه حتى يقول : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ( 2 ) . وخلاصة القول فإن قوم نوح مارسوا كل وسيلة لأذى نبيهم ، ومع ذلك فإنه لم يتوقف عن التبليغ والإرشاد أملا في هدايتهم . والجدير بالذكر أننا نلاحظ أن لفظ ( التكذيب ) قد ورد مرتين ، ولعل السبب أنه ورد في الحالة الأولى ( مختصرا ) وفي الثانية ( مفصلا ) . والتعبير ب‍ " عبدنا " إشارة إلى أن هؤلاء القوم المعاندين والمغرورين في الواقع يبارزون الله تعالى لا مجرد شخص " نوح " . كلمة ( وازدجر ) أصلها ( زجر ) بمعنى الطرد ، وهو الإبعاد المقترن بصوت شديد ، كما أنه يطلق على كل عمل يراد منه منع الشخص من الاستمرار به . والظريف في هذه الآية أن الفعل ( قالوا ) أتى بصورة فعل معلوم ( وازدجر ) بصيغة فعل مجهول ولعل ذلك للإشارة إلى أن عدم ذكر الفاعل هنا للترفع عن ذكر قوم نوح بسبب سوء وقبح الأعمال التي مارسوها والتي كانت أقذر وأقبح من أقوالهم ، مما يكون سببا في عدم ذكرهم بالصيغة المعلومة كما في قوله تعالى :

--> 1 - الشعراء ، 116 . 2 - تفسير الكشاف وأبو الفتوح والرازي هامش الآية مورد البحث .